ولكن سرعان ما بدأ سؤال تقني مقلق يطرح نفسه في المنتديات التقنية ومجتمعات اللاعبين: هل ويندوز 11 يلتهم الذاكرة العشوائية (RAM) بشراهة أكبر من سلفه ويندوز 10؟ وللإجابة على هذا السؤال بدقة، يجب أن نتجاوز مجرد النظر إلى الأرقام السطحية في مدير المهام (Task Manager)، وأن نفهم فلسفة إدارة الذاكرة المختلفة في كلا النظامين.
في البداية، يجب الاعتراف بأن ويندوز 11 يأتي بمتطلبات تشغيل دنيا أعلى رسمياً (4 جيجابايت) مقارنة بويندوز 10 (2 جيجابايت). هذا الارتفاع ليس عبثياً، بل يعكس الطبيعة البصرية للنظام الجديد. يعتمد ويندوز 11 بشكل مكثف على تأثيرات بصرية متطورة مثل 'Mica' و 'Acrylic' التي تمنح النوافذ والقوائم تلك الشفافية والملمس الزجاجي المميز. هذه التأثيرات يتم معالجتها ورسمها وتخزينها مؤقتاً في الذاكرة العشوائية لضمان سلاسة الحركة عند فتح وإغلاق النوافذ.
عند إجراء اختبارات السكون (Idle Testing)، أي تشغيل الجهاز وتركه دون فتح أي برنامج، نلاحظ فرقاً ملموساً. ويندوز 10 (إصدار 64 بت) يستهلك عادة ما بين 2.2 إلى 2.8 جيجابايت من الرام لخدمات النظام الأساسية. في المقابل، يميل ويندوز 11 في نفس الوضعية إلى استهلاك ما بين 3.2 إلى 4 جيجابايت. قد يبدو هذا الرقم مخيفاً لأصحاب الأجهزة المتوسطة، حيث يلتهم النظام نصف الذاكرة تقريباً إذا كان الجهاز يحتوي على 8 جيجابايت فقط.
لكن هنا تكمن الخدعة التقنية: استهلاك الرام العالي ليس بالضرورة أمراً سيئاً. تتبنى مايكروسوفت في ويندوز 11 استراتيجية 'الرام غير المستخدمة هي رام مهدرة'. يقوم النظام بتحميل المزيد من الخدمات والتطبيقات المتوقع استخدامها (مثل البحث، الويدجت، وتطبيقات Teams) مسبقاً في الذاكرة لضمان فتحها فورياً عند النقر عليها. هذه التقنية، المعروفة بتطورها عن خدمة SuperFetch القديمة (التي تسمى الآن SysMain)، تعمل بذكاء أكبر في ويندوز 11.
الميزة الأهم في ويندوز 11 هي تحسين تقنية 'ضغط الذاكرة' (Memory Compression). عندما يقترب النظام من استهلاك كامل الرام، يقوم ويندوز 11 بضغط الصفحات غير النشطة في الذاكرة بدلاً من نقلها فوراً إلى القرص الصلب (Pagefile) كما كان يحدث بشكل أكثر تواتراً في ويندوز 10. عملية الضغط هذه تتطلب جهداً بسيطاً من المعالج، لكنها تضمن بقاء الجهاز سريع الاستجابة وتمنع التجميد المفاجئ الذي يحدث عند الاعتماد على القرص الصلب البطيء.
بالنسبة للاعبين، الفروقات بدأت تضيق. في بداية إطلاق ويندوز 11، كانت هناك مشاكل في تسرب الذاكرة (Memory Leaks) في مستكشف الملفات. ولكن بعد التحديثات المتراكمة (خاصة تحديثات 22H2 و 23H2)، أصبح استهلاك الألعاب للرام متطابقاً تقريباً بين النظامين. بل إن ويندوز 11 يتفوق في دعم تقنيات المستقبل مثل DirectStorage التي تعتمد على نقل البيانات من NVMe SSD إلى كرت الشاشة وعبر الرام بسرعة هائلة، مما يتطلب إدارة ذاكرة متطورة لا يمتلكها ويندوز 10 بنفس الكفاءة.
الخلاصة هي أن ويندوز 11 بالفعل يستهلك رام أكثر 'فيزيائياً' أثناء الخمول، ولكنه يدير هذه الموارد بذكاء أكبر تحت الضغط. إذا كان جهازك يمتلك 16 جيجابايت أو أكثر، فلن تشعر بأي فرق سلبي، بل ستشعر بسلاسة أكبر. أما إذا كنت لا تزال تستخدم 8 جيجابايت، فإن ويندوز 10 سيمنحك مساحة تنفس أكبر قليلاً لتطبيقاتك، وستكون الترقية لويندوز 11 ضاغطة على موارد جهازك إلا إذا قمت بتعطيل بعض التأثيرات البصرية والخدمات الخلفية يدوياً.