فجأة، بدأت أبل تدعي أن 8 جيجابايت من ذاكرتها تعادل 16 جيجابايت في الأجهزة الأخرى. فما حقيقة هذا الادعاء، وكيف تعمل هذه التقنية سحرياً؟

لفهم عظمة الذاكرة الموحدة، يجب أن نفهم أولاً الطريقة التقليدية العقيمة التي تعمل بها الحواسيب العادية (PC). في الكمبيوتر التقليدي، يوجد لديك معالج مركزي (CPU) له ذاكرته الخاصة (RAM)، ومعالج رسومي (GPU) له ذاكرته الخاصة المنفصلة (VRAM).

عندما تريد تشغيل لعبة أو برنامج مونتاج، يقوم المعالج المركزي بمعالجة البيانات في الرام الخاصة به. ثم، إذا احتاج كرت الشاشة لهذه البيانات لرسم مشهد أو معالجة فيديو، يجب 'نسخ' هذه البيانات من رام المعالج إلى رام كرت الشاشة. عملية النسخ هذه تستهلك وقتاً، وتستهلك طاقة، وتكرر البيانات في مكانين مختلفين.

ثورة 'اللا نسخ' (Zero Copy)

في معمارية أبل سيليكون (M1/M2/M3)، تم دمج المعالج، وكرت الشاشة، والذاكرة العشوائية، ومحرك الذكاء الاصطناعي، كلها في شريحة واحدة متكاملة (SoC). والأهم من ذلك، أنهم يتشاركون جميعاً نفس 'حوض الذاكرة' (Memory Pool).

الذاكرة الموحدة تعني أن المعالج وكرت الشاشة يمكنهما الوصول إلى نفس البيانات في نفس العنوان بالذاكرة دون الحاجة لنسخها. إذا قام المعالج بتعديل صورة، فإن كرت الشاشة يرى التعديل فوراً وفي نفس اللحظة لأنه ينظر لنفس المكان.

هذا يلغي تماماً الوقت الضائع في نقل البيانات عبر الممرات النحاسية، ويوفر عرض نطاق ترددي (Bandwidth) هائل. لذا، فإن كرت الشاشة في أجهزة ماك يمكنه استخدام كامل ذاكرة النظام كأنها ذاكرة فيديو، مما يسمح له بمعالجة مشاهد ضخمة جداً قد يعجز عنها كرت شاشة خارجي بذاكرة محدودة.

عرض النطاق الترددي المرعب

السر في سرعة الذاكرة الموحدة ليس فقط في المشاركة، بل في طريقة الاتصال. ذاكرة الرام في شرائح M Max و M Ultra تتصل بالمعالج عبر ممرات واسعة جداً. على سبيل المثال، شريحة M1 Max تمتلك عرض نطاق ترددي للذاكرة يصل لـ 400 جيجابايت/ثانية. للمقارنة، ذاكرة DDR4 العادية في الكمبيوترات لا تتجاوز 50 جيجابايت/ثانية.

هذه السرعة الجنونية تجعل البيانات تتدفق كالشلال، مما يقلل من شعور المستخدم بأي تأخير حتى لو كانت السعة ممتلئة.

هل فعلاً 8GB ماك = 16GB ويندوز؟

هنا يأتي الجدل التسويقي. الإجابة هي: نعم ولا. 'نعم' لأن كفاءة إدارة الذاكرة وعدم وجود تكرار للبيانات (Zero Copy) يجعل الـ 8 جيجابايت أكثر فعالية بكثير. الذاكرة لا تهدر في تخزين نسختين من نفس الـ Texture.

كما أن نظام macOS يستخدم تقنية Swap (استخدام القرص الصلب SSD كرام مؤقتة) بكفاءة مرعبة. نظراً لأن الـ SSD في أجهزة ماك سريع جداً، فإن عملية التبديل تتم بسلاسة لا يلاحظها المستخدم العادي.

ولكن 'لا'، لأن الذاكرة في النهاية هي وعاء فيزيائي. إذا كنت تعمل على مشروع ضخم يتطلب 12 جيجابايت من البيانات الخام، فإن 8 جيجابايت لن تكفي، وسيبدأ الجهاز بالاعتماد المكثف على الـ SSD، مما سيقلل من عمر القرص على المدى الطويل ويسبب بطئاً عند الضغط الشديد.

العيوب القاتلة للذاكرة الموحدة

ضريبة هذا الأداء الخارق هي 'الاندماج'. الذاكرة الموحدة تكون جزءاً من الشريحة نفسها. هذا يعني أنه من المستحيل تماماً ترقيتها. الكمية التي تشتريها هي التي ستعيش معها للأبد.

كما أن أسعار الترقية عند الشراء من أبل فلكية وغير مبررة تقنياً. تكلفة الانتقال من 8GB إلى 16GB قد تشتري لك 64GB من أفضل رامات الـ PC.

الخلاصة

الذاكرة الموحدة هي أعجوبة هندسية غيرت مفهوم السرعة والكفاءة، وجعلت أجهزة اللابتوب قادرة على منافسة محطات العمل الضخمة في تحرير الفيديو. هي مثالية لمن يستطيع تحديد احتياجاته بدقة منذ البداية، ولكنها كابوس لعشاق الترقية والتطوير المستمر.