الإجابة لا تكمن في أن نظاماً أفضل من الآخر، بل في الاختلاف الجذري في الهندسة المعمارية (Architecture) التي بني عليها كل نظام، وطريقة تعامله مع التطبيقات ولغات البرمجة.
نظام أندرويد يعتمد في جوهره على لغة 'Java' (وحالياً Kotlin)، وهي لغة تتطلب وجود وسيط بين كود التطبيق وبين عتاد الجهاز، هذا الوسيط يسمى 'الآلة الافتراضية' (Virtual Machine)، قديماً كانت Dalvik وحالياً هي Android Runtime (ART).
مشكلة الجافا الرئيسية تكمن في عملية إدارة الذاكرة، حيث تستخدم ما يسمى بـ 'Garbage Collection' (جامع القمامة)، وهي عملية برمجية تقوم بمسح البيانات القديمة وغير المستخدمة من الرام لتحرير المساحة.
عملية 'جمع القمامة' هذه تتطلب موارد إضافية من الرام لتعمل بفعالية، فلكي يعمل جامع القمامة بسلاسة دون أن يسبب تقطيعاً في النظام، يحتاج إلى مساحة رام فارغة إضافية ليتحرك فيها ويقوم بترتيب البيانات.
إذا كانت الرام قليلة، سيضطر جامع القمامة للعمل بشكل متكرر ومكثف، مما يستهلك طاقة المعالج ويسبب تلك التنهيدات أو التقطيعات البسيطة التي كنا نراها في هواتف أندرويد القديمة، لذا الحل الأسهل كان زيادة حجم الرام بشكل كبير لإراحة النظام.
على الجانب الآخر، نظام iOS الخاص بالآيفون مبني باستخدام لغات Objective-C و Swift، وهي لغات 'Native' لا تحتاج لآلة افتراضية وسيطة بنفس طريقة أندرويد، وتتعامل مباشرة مع العتاد.
تستخدم آبل تقنية تسمى 'Automatic Reference Counting' (ARC)، وهي تختلف عن Garbage Collection، حيث يتم تحرير الذاكرة فوراً بمجرد انتهاء الحاجة إليها، دون الحاجة لعملية مسح شاملة لاحقة تستهلك الموارد.
علاوة على ذلك، تتبع آبل سياسة صارمة جداً (وقاسية أحياناً) في التعامل مع تطبيقات الخلفية، فبمجرد خروجك من التطبيق، يقوم النظام بتجميده (Suspend) فوراً ومنعه من استهلاك أي موارد حقيقية إلا في حالات محددة جداً.
بينما نظام أندرويد صمم ليكون أكثر مرونة ويسمح بـ 'تعدد مهام حقيقي' (True Multitasking)، حيث يمكن للتطبيقات العمل بحرية أكبر في الخلفية، مما يتطلب ذاكرة أكبر لإبقاء هذه العمليات نشطة.
سبب آخر جوهري هو تنوع الأجهزة؛ أندرويد يجب أن يعمل على آلاف التشكيلات المختلفة من المعالجات والشاشات والكاميرات، مما يضطر المطورين وكود النظام لتحميل مكتبات وتعريفات ضخمة لتغطية كل هذه الاحتمالات.
بينما iOS يعمل على عدد محدود جداً من الأجهزة المعروفة مسبقاً، مما يسمح بتحسين الكود (Optimization) ليكون خفيفاً جداً ومفصلاً بالضبط على مقاس العتاد الموجود، فلا يتم تحميل أي كود زائد غير مستخدم في الرام.
لذلك، عندما ترى هاتف أندرويد بـ 16 جيجابايت رام، فهذا ليس مجرد تباهي بالأرقام، بل هو ضرورة هندسية لضمان عمل الآلة الافتراضية وجامع القمامة وتعدد المهام بحرية تامة دون أي اختناق.
وفي المقابل، الـ 8 جيجابايت في الآيفون تكفي وتفيض لأن النظام مصمم بذكاء لإدارة كل بايت بكفاءة مذهلة، فلا يمكن مقارنة الرقمين بشكل مباشر لأن السياق الهندسي مختلف تماماً.